فخر الدين الرازي

24

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال : وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في اللّه وهو يحتمل وجوهاً : أحدها : أن يكون المراد الرد على الكفار الذي قال : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد . وثانيها : أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر . وثالثها : أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات . ورابعها : أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال . وفي هذه الواو قولان : الأول : أنها للحال ، والمعنى : فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في اللّه ، وذلك أن أربد لما جادل في اللّه أحرقته الصاعقة . والثاني : أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك : وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ . ثم قال تعالى : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ وفي لفظ المحال أقوال : قال ابن قتيبة : الميم زائدة وهو من الحول ، ونحوه ميم مكان ، وقال الأزهري : هذا غلط ، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية ، نحو مهاد ومداس ومداد ، واختلفوا مم أخذ على وجوه : الأول : قيل من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك ، وتمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه ، فكان المعنى : أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه . الثاني : أن المحال عبارة عن الشدة ، ومنه تسمى السنة الصعبة سنة المحل وما حلت فلاناً محالًا . أي قاومته أينا أشد ، قال أبو مسلم : ومحال فعال من المحل وهو الشدة ولفظ فعال يقع على المجازاة / والمقابلة ، فكأن المعنى : أنه تعالى شديد المغالبة ، وللمفسرين هاهنا عبارات فقال مجاهد وقتادة : شديد القوة ، وقال أبو عبيدة : شديد العقوبة ، وقال الحسن : شديد النقمة ، وقال ابن عباس : شديد الحول . الثالث : قال ابن عرفة : يقال ما حل عن أمره أي جادل ، فقوله : شَدِيدُ الْمِحالِ أي شديد الجدال . الرابع : روي عن بعضهم : شَدِيدُ الْمِحالِ أي شديد الحقد . قالوا : هذا لا يصح ، لأن الحقد لا يمكن في حق اللّه تعالى ، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق اللّه تعالى فإنها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادئ الأعراض ، فالمراد بالحقد هاهنا هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 14 ] لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 14 ) اعلم أن قوله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ أي للّه دعوة الحق ، وفيه بحثان : البحث الأول : في أقوال المفسرين وهي أمور : أحدها : ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : دَعْوَةُ الْحَقِّ قول لا إله إلا اللّه . وثانيها : قول الحسن : إن اللّه هو الحق ، فدعاؤه هو الحق ، كأنه يومئ إلى أن الانقطاع إليه في الدعاء هو الحق . وثالثها : أن عبادته هي الحق والصدق . واعلم أن الحق هو الموجود ، والموجود قسمان : قسم يقبل العدم وهو حق يمكن أن يصير باطلًا وقسم لا يقبل العدم فلا يمكن أن يصير باطلًا وذلك هو الحق الحقيقي ، وإذا كان واجب الوجود لذاته موجوداً لا يقبل العدم كان أحق الموجودات بأن يكون حقاً هو هو وكان أحق الاعتقادات وأحق الأذكار بأن يكون حقاً هو اعتقاد ثبوته وذكر وجوده ، فثبت بهذا أن وجوده هو الحق في الموجودات واعتقاد وجوده هو الحق في الاعتقادات .